عبد الله بن أحمد النسفي

46

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 5 ] أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 5 ) أياما معدودات ، ثم إن عطفتهم على الذين « 1 » يؤمنون بالغيب دخلوا في جملة المتقين ، وإن عطفتهم على المتقين لم يدخلوا ، فكأنّه قيل هدى للمتقين وهدى للذين يؤمنون بما أنزل إليك ، أو المراد به وصف الأولين ، ووسّط العاطف كما يوسّط بين الصّفات في قولك : هو الشجاع والجواد ، وقوله « 2 » : إلى الملك القرم وابن الهمام * وليث الكتيبة في المزدحم « 3 » والمعنى أنّهم الجامعون بين تلك الصفات وهذه . بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ يعني القرآن ، والمراد جميع القرآن لا القدر الذي سبق إنزاله وقت إيمانهم ، لأنّ الإيمان بالجميع واجب ، وإنما عبر عنه بلفظ الماضي وإن كان بعضه مترقّبا تغليبا للموجود على ما لم يوجد ، ولأنّه إذا كان بعضه نازلا وبعضه منتظر النزول جعل كأنّ كله قد نزل : وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يعني سائر الكتب المنزّلة على النبيين عليهم الصلاة والسلام « 4 » وَبِالْآخِرَةِ وهي تأنيث الآخر الذي هو ضدّ الأوّل ، وهي صفة والموصوف محذوف وهو الدّار بدليل قوله : تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ « 5 » وهي من الصفات الغالبة وكذلك الدّنيا ، وعن نافع أنّه خفّفها بأن حذف الهمزة وألقى حركتها على اللام هُمْ يُوقِنُونَ الإيقان إتقان العلم بانتفاء الشّكّ والشّبهة عنه . 5 - أُولئِكَ عَلى هُدىً الجملة في موضع « 6 » الرفع إن كان الذين يؤمنون بالغيب مبتدأ وإلّا فلا محل لها ، ويجوز أن يجري الموصول الأوّل على المتقين وأن يرتفع الثاني على الابتداء وأولئك خبره ، ويجعل اختصاصهم بالهدى والفلاح تعريضا بأهل الكتاب الذين لا يؤمنون بنبوّة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « 7 » وهم ظانّون أنّهم على الهدى وطامعون أنّهم ينالون الفلاح عند اللّه ، ومعنى الاستعلاء في علي هدى مثل لتمكّنهم من الهدى واستقرارهم عليه وتمسّكهم به بحيث شبّهت حالهم بحال من اعتلى الشيء وركبه ،

--> ( 1 ) في ( أ ) زاد لا ، وهو خطأ من الناسخ . ( 2 ) القائل هو شريح بن أوفى العبسي قاتل محمد بن طلحة يوم الجمل . ( 3 ) في ( ظ ) إلى الملك الهزبر ، القرم : الفحل المكرم ، والهمام : من أسماء الملوك لعظم همتهم ، والكتيبة : الجيش ، والمزدحم : المعركة لأنها موضع المزاحمة والمدافعة . ( 4 ) سقطت من ( ز ) . ( 5 ) القصص ، 28 / 83 . ( 6 ) ليس في ( أ ) موضع . ( 7 ) سقطت من ( ظ ) .